أفلاطون .. الفيلسوف اليوناني

نعرف عن الفكر الإقتصادي في اليونان القديم تطوراً ملحوظاً مع حلول القرن الخامس ميلاديا ، نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في أثينا، وأيضا نتيجة للتوسع الكبير الذي حدث في أثينا والبنية السياسية الديمقراطية التي سادت في تلك المرحلة "ديمقراطية السكان الأحرار". وهذا ما كان مسيطراً على حركة الأفكار سواء ماجاء به أبناء أثينا أو ماجاء به الأجانب الذين استضافتهم . ولكي نعيد بناء الإيديولوجية والنظام الاقتصادي لدولة أثينا، نجد أنفسنا ملزمين أن نستقي ذلك من أعمال أفلاطون وأرسطو والفلاسفة والمفكرين العظماء في الحضارة اليونانية، بل وأحياناً لا بد من العودة إلى الفلسفة والشعر والأدب اليوناني. وتنظيم هذه الأفكار حول أهم الظواهر والمشكلات الاقتصادية والفعالية والنشاط الاقتصادي لدى المجتمع اليوناني. وسنحاول فيما يلي مناقشة الأفكار الاقتصادية لدى الفيلسوف اليوناني أفلاطون. ( الفيلسوف اليوناني أفلاطون) كان والد أفااطون من أشراف اليونان في ذلك العصر. كان أفلاطون تلميذاً للفيلسوف سقراط لمدة تزيد على خمس سنوات وتعلم منه " أن الفضيلة هي المعرفة ". لذلك وبعد وفاة سقراط رحل أفلاطون متوجهاً إلى مصر بحثاً عن المزيد من العلم والمعرفة، ثم انتقل بعدها إلى صقلية . وعندما عاد إلى أثينا رغب إليه أهلها في استلام حكمها إلا أنه رفض ذلك متأثراً بمعلمه سقراط في مجال الزهد، وتأكده من أن قناعاته تخالف قناعات الأثينيين. له مؤلفات عديدة في مجالات علمية إضافة إلى مؤلفاته السياسية ومن أهمها : كتاب "الجمهورية" كتاب "السياسي" كتاب "محاورة القوانين". كانت الحياة السياسية والاقتصادية لدى اليونان القديم مرتبطة تماماً بوجود المدينة ، التي كانت تقوم بالدور ذاته الذي تقوم به دولنا المعاصرة، ومع اختلافها عنها اختلافاً جذرياً. والمدينة لدى اليونانيين وحدة سياسية اقتصادية لا تقتصر على مراكز المدن بل تمتد لتشمل الريف أيضاً. والمدينة هي : (التنظيم السياسي والاجتماعي الموحد لأرض محدودة يمكن أن تضم مدينة واحدة أو عدة مدن كما تضم رقعة الريف الذي يرتبط بها) لقد كانت "أثينا Athens" على سبيل المثال مجرد مركز إقليم زراعي، وعندما ازدهرت الحرفة وانتشرت تحولت إلى مركز حرفي ، ثم في وقت ازدهار التجارة أصبحت سوقاً ومستودعاً تجارياً، ولكنها ظلت المدينة التي تُجملها الأعمال الفنية وتُحسنها التأملات الفلسفية ، وساحاتها مركزاً للمهرجانات المسرحية، فالمدينة هي الأولى دائماً وفي كل مكان ، أما الإنسان فهو بما يمليه عليه دوره المدني. لقد وضع أفلاطون توجهات وإرشادات تُتبع في كثير من جوانب الحياة . الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . ومن خلال المؤلفات التي أنجزها نستطيع أن نستخلص بعض الأفكار الاقتصادية التي سادت الحضارة اليونانية القديمة. 1 - السياسة والمجتمع في فكر أفلاطون : لقد تأثر أفلاطون في مبادئه وعقيدته السياسية بالتاريخ العريق لبلاده، وبخاصة الأنظمة السياسية التي سادت فيها . لقد تطلع أفلاطون إلى ماضي الدولة اليونانية المجيدة "واقتبس منه آراءه فاتخذ ليكرغوس الإسبرطي نموذجاً له في كتاباته الأولى ويظهر في كتابه "الجمهورية " ولكنه عندما رأى أن النظم الإسبرطية تنقصها الثقافة العلمية أراد أن يدعم فضائلها العسكرية والطبيعية بالتعاليم الفلسفية والخلقية وبحكومة من المثقفين. ولما رأى إخفاق إسبارطة في قيادة الولايات الإغريقية بعد انتصارها في حروب البيلويونيز، حوّل نظره إلى أثينا وترك إسبارطة فتعدلت آراؤه الأولى ويظهر ذلك في كتابه (القوانين)، إذ اقتبس كثيراً من تشريعات "سونون" الأثيني وإصلاحاته" . ومع أن معظم آراء أفلاطون ونظرياته تبقى خيالية ولا تفيدنا في حياتنا المعاصرة، إلا أنها اشتملت على كثير من الحقائق أهمها : (1) العدل أساس الملك، (2) الفضيلة قوام الدولة، (3) أساس الفضيلة هو التربية والتعليم، (4) وضع مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، (5) الاعتزاز بالوظيفة، (6) الحكم فن يحتاج إلى خبراء مدربين. هذه هي بعض الأفكار في الاقتصاد والسياسة والفلسفة والاجتماع، والتي استطعنا أن نصل إليها في نتاج أفلاطون الفكري العظيم. الإنسان بنظر أفلاطون يتكون : (1) العقل، (2) الميول الخيرة أو الشريرة، ولكن بنسب متفاوتة ومتحولة. وفي كل مجتمع من المجتمعات تسيطر إحدى الفئتين "فئة الميول الخيرة أو فئة الميول الشريرة"، وأحياناً تسيطر كلتاهما في ظل رقابة العقل وسيادته. وللحصول على إنسان عادل من الهام أن تقوم مدينة عادلة، وهذا يوضح العلاقة بين الإنسان والمجتمع بين الإنسان والنظام الاقتصادي الاجتماعي القائم. ويرى أفلاطون أن مجموعة سكان المدينة الأحرار لن تتكون من مجموعة من الأفراد متجانسة، بل تتكون من ثلاث طبقات متميزة بوضوح يحقق تعايشها واجتماعها معاً نوعاً من التكامل . والطبقات الثلاث هي: - طبقة الحكام "الرؤساء" وخير ما يجب أن يتميزوا به هو الحكمة. - طبقة المساعدين أو المحاربين "الجنود" المتصفين بالشجاعة، ومهمة الجنود" المتصفين بالشجاعة ، هي الدفاع عن المدينة وحمايتها. - طبقة المنتجين وتضم كل من يعمل بالنشاط الاقتصادي، الحرفيين والفلاحين، وأصحاب العمل والعمال، ومهمتها خلق السلع والخدمات لإشباع الحاجات المادية للمدينة . ويطلب من هذه الطبقة الصناعة والاعتدال ومقاومة شهواتها. والجدير بالذكر أن أفلاطون لا يفرق بين الرجال والنساء، بل يرى أن يعامل الجميع "رجالاً ونساءً" معاملة واحدة. أما بالنسبة للعبيد فإن أفلاطون لم يصنفهم في أي من الطبقات الثالث ، فقد تركهم خارج هذه الطبقات . وعدهم "أدوات ناطقة من أدوات الإنتاج". 2 - نظرة أفلاطون للملكية والنقود : أما من حيث الملكية الخاصة وتكوين العائلة فإننا نجد في المدينة التي ينادي بها أفلاطون نوعين من التنظيم : النوع الأول - وتحرم فيه الملكية الخاصة وتكوين العائلة ، وهو يطبق على الحكام والجنود. حيث يشترط أفلاطون أن يعيش الحكام وهم من الفلاسفة معيشة مشتركة ولا تكون لهم ملكية خاصة ولا تكون لهم روابط عائلية فلا يتزوجون ولا يكونون عائلات، أي أن أفلاطون يلغي الملكية ويلغي العائلة بالنسبة لطبقة الحكام وطبقة الجنود. ذلك لأن الحكام يجب أن يخصصوا وقتهم وجهودهم كلها لصالح المواطنين جميعاً وليس لصالح أشخاصهم أو عائلاتهم، والمال والأسرة تجعل الحكام أو الجنود خاضعين للإغراء والضعف العاطفي تجاه أقاربه، مما قد يصرفه عن إدارة الحكم لصالح المجموع، ويجعله يديره للحصول على الثروة الشخصية أو لمحاباة الأقارب. فلكي يبعد أفلاطون الحكام عن إغراء المال ويرفعهم فوق عوامل الضعف التي يمكن أن يخضعوا لها بسبب عائلتهم، فقد ألغى الملكية الخاصة وألغى إمكان تكوين الأسرة بالنسبة لهم. النوع الثاني - تُباح فيه الملكية الخاصة وتكوين الأسرة، وهو يطبق على طبقة المنتجين فلأفرادها أن يمتلكوا الأموال ملكية خاصة، ولهم أن يتزوجوا ويكونوا الأسر. ولكن حرية الملكية الخاصة بالنسبة لطبقة المنتجين ليست حرية مطلقة بلا حدود . بل لا بد من تدخل الدولة، حسب رأي أفلاطون، لمنع الثراء الفاحش ومنع الفقر المدقع على حد سواء. ويرى أفلاطون أن للنقود دوراً تقوم به في مدينته، خاصة عندما يتم تقسيم العمل وتخصص كل فرد بحرفة معينة ويظهر لديه فائض الإنتاج للتبادل. فإن كل شخص سيعرض إنتاجه على الآخرين لبيعه لهم، فتقوم النقود هنا بوظيفة "أداة للتبادل" وينسب شومبتير Schumpter إلى أفلاطون أنه قد أخذ بنظرية تقول: "إن قبول النقود في المعاملات لا يرجع إلى قيمة المادة التي تكون تلك النقود مصنوعة منها، ولكن إلى اتفاق الناس وجريانهم على استخدمها كوسيط للمبادلة وبعبارة أخرى نحن لا نقبل النقود في المعاملات لأن المادة المصنوعة منها ( سواء أكانت ذهباً أم فضة أو غير ذلك) تكون لها قيمة معينة، ولكننا نقبلها لعلمنا أننا نستطيع أن نشتري بها ما نشاء نظراً لأن المجتمع يكون قد اتفق وجرى على استخدام النقود بهذه الصورة. وتجدر الإشارة إلى أن أفلاطون قد وقف موقفاً صريحاً ضد الربا، حتى أنه أباح عدم سداد المال الذي يتم اقتراضه بفائدة . وهذا ناتج عن الظروف الاقتصادية السائدة في تلك المرحلة وبخاصة ما يتعلق بانخفاض الإنتاجية وتخلف القوى المنتجة. " ويعد أفلاطون النقود أداة للتجارة. وهو يفرق بين النقود المحلية المقبولة فقط داخل الدولة، والنقود العامة التي تحتفظ بها الدولة لتغطية الحملات العسكرية والأسفار وغيرها. ويجب على الأفراد الذين يخرجون من البلاد بموافقة السلطات أن يسلموا عند عودتهم ما لديهم من نقود أجنبية إلى الدولة ويحصلوا مقابلها على نقود محلية، وإلا فإن النقود الأجنبية تصبح عرضة للمصادرة. وهذا التمييز بين النقود المحلية والنقود العامة يدل على أن أفلاطون كان يميز بين النقود كاملة القيمة والنقود ناقصة القيمة". كما كان أفلاطون ينظر نظرة سلبية إلى وظيفة النقود كوسيلة لتراكم الثروة والاكتناز . وطالب بأن يتم عقد الصفقات التجارية نقداً وليس لأجل. تعرض الفلاسفة والمفكرون والشعراء اليونانيون لبحث بعض المشكلات والظواهر الاقتصادية، ولكن بشكل ضئيل ومحدود وتابع . ولم يدرسوا هذه المشكلات الاقتصادية بشكل منفصل أو كفرع مستقل من فروع المعرفة بل كانت دراساتهم للظواهر الاقتصادية مرتبطة بأبحاثهم في الفلسفة والسياسة والأخلاق.

التاريخ: 9/10/2017 - الزيارات: 2466

أضف تعليقك على المقال

code

Google AdSense Publisher ID